أحمد بن محمد مسكويه الرازي
197
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
عليه من الشدائد صبرا جميلا ، ويعمل اعمالا تليق بتلك الحال كما شرحناه في ما تقدم ، ولذلك يجب أن يعظم الشجاع ويشح بنفسه ، حقيق على السلطان خاصة والقيم بأمر الدين والملك أن ينافس فيه ، ويجل قدره ويعلي خطره ويميزه من سائر من يتشبه به ممن ذكرناه ؛ فقد تبين من جميع ما قلناه ان الشجاع هو الذي يستهين بالشدائد في الأمور الجميلة ، ويصبر على الأمور الهائلة ويستخف بما يستعظمه عوام الناس حتى بالموت لاختيار الامر الأفضل ، ولا يحزن على ما لا يدرك فيه ولا يضطرب عندما يفدحه من المصائب ، « 1 » ويكون غضب إذا غضب بمقدار ما يجب وعلى ما يجب ، وفي الوقت الذي يجب . وكذلك يكون انتقامه على هذه الشرائط . فإن الحكماء قالوا : ان من لا ينتقم يلحق قلبه ذبول ، « 2 » فإذا انتقم عاد إلى حالته من النشاط ، وهذا الانتقام إذا كان بحسب الشجاعة كان محمودا ، وإذا لم يكن كذلك كان مذموما . فقد نقل الينا في الأخبار المأثورة عمن أقدم على سلطان قوي ، ورام ان ينتقم منه فأهلك نفسه من غير أن يضر سلطانه روايات كثيرة ، وكذلك حال من أقدم على قرن قوي أو خصم ألد لا يستطيع مقاومته ، فإن الانتقام منه يعود وبالا عليه ، وزيادة في الذل والمعجزة . فاذن ليست تتم شرائط الشجاعة والعفة الا للحكيم الذي يستعمل كلّ شيء في موضعه الخاص به ، وبقدر إقساط العقل له ، فكل شجاع عفيف حكيم ، وكل حكيم شجاع عفيف .
--> ( 1 ) . المصائب الفادحة ، أي : الثقيلة والصعبة ، الشديدة هنا يقصد : ما يثقله من المصائب . ( 2 ) . ذبل وذبل ، ذبولا وذبلا ، للبنات : قلّ ماؤه ، وذهب نضارته . أي : يخرج عن كونه قلبا سليما ، بل يصبح سقيما .